الأحد، 30 مايو، 2010


أكتب هذا المقال بعد صلاة فجر يوم السبت 29/5/2010م من على ظهر سفينة (الحرية لغزة) التركية العملاقة الواقفة في عرض البحر بالمياه الدولية بالقرب من قبرص، في انتظار تجمُّع باقي السفن المكونة لأسطول (الحرية لغزة)، والمقرر أن يتجه إلى غزة بعد ساعات, ويوجد على ظهر هذه السفينة التي أقلعت بنا من مدينة أنطاليا بجنوب تركيا أكثر من 750 متضامنًا من أكثر من 40 دولة، من بينهم برلمانيون وسياسيون وحقوقيون وناشطون ينتمون إلى مؤسسات إغاثية وجمعيات أهلية من مختلف الأجناس والأعراق والأديان (على رأسها هيئة المساعدات الإنسانية التركية، وحركة غزة الحرة الأوروبية، وحركة شريان الحياة والحملة الأوربية؛ لكسر الحصار ووفود لحركات سويدية ويونانية وبريطانية, وكان من فضل الله أن انضم لهذه الجهود- هذه المرة- جهود عربية وإسلامية واسعة على رأسها المشاركات الجزائرية والكويتية والماليزية).

يتكون الأسطول من 8 سفن, 3 منها للشحن حملت أكثر من 10 أطنان من المساعدات (التي تميَّزت هذه المرة أنها لم تكتفِ بالأغذية والأدوية بل ضمت لأول مرة مواد البناء من حديد وإسمنت وحوائط جاهزة لإعمار ما دمرته الحرب الصهيونية على غزة من بيوت ومدارس ومساجد...), كما أن الجديد هذه المرة أن المساهمين في القافلة اشتروا السفن ذاتها؛ لتصبح آلية مستمرة لكسر الحصار عن غزة لحين انتهاء الحصار بشكل نهائي, وقد قُدرت تلك المساهمات الشعبية بأكثر من 10 ملايين دولار، كان أسخاها- إلى جانب المساهمات التركية الضخمة- المساهمات الجزائرية والكويتية والماليزية.

وصلت إلى إسطنبول (برفقة أخي د. حازم فاروق)، ومنها إلى مدينة أنطاليا (جنوب تركيا على الساحل الشمالي للبحر المتوسط) صباح الأحد 23/5/2010م, وبقينا هناك؛ حيث ترتيبات الشحن وتنسيقات وصول السفن القادمة من مختلف دول العالم (السويد- بريطانيا- أيرلندا- اليونان)؛ لتلحق بالسفن والوفود المنتظرة في تركيا, ورغم أننا كمصريين لم نشارك سوى بأجسادنا إلا أن الوفود العربية (التي شاركت بملايين الدولارات وبعشرات المشاركين) قد اختارتني رئيسًا لها (وهو شرف لا أستحقه إلا أنها دلالة مكانة شعب مصر في نفوس الأمة العربية).

خلال وجودنا في أنطاليا استمعنا عبر وسائل الإعلام إلى عروض صهيونية تقول: غزة!!! كما استمعنا لعرض من مسئولين مصريين بترحيب بالقافلة وباستعداد لإدخالها عبر العريش!!!.

عُقدت الاجتماعات تلو الاجتماعات واستقر قرار المنظمين بالإجماع على رفض هذه العروض؛ لأن الغرض الرئيسي من قافلة السفن هذه المرة هو كسر الحصار، وليس مجرد إدخال المساعدات، (هذا فضلاً عن رصيد التجربة المريرة التي عانتها قوافل "شريان الحياة"- بقيادة المناضل البريطاني جورج جالاوي- حين جاءت في المرة الأولى من غرب أوروبا مرورًا بشمال إفريقيا؛ لتدخل مصر عبر السلوم, وفي المرة الثانية من شرق أوروبا مرورًا بتركيا وسوريا؛ لتدخل مصر عبر العريش, ومرة ثالثة حين جاءت رأسًا؛ لتشتري المساعدات من القاهرة, ولاقت هذه القوافل الثلاث ما لاقته من عنتٍ ومضايقات، ورفضت السلطات دخول بعض المساعدات، واعتبروا كل المشاركين في القافلة الأخيرة غير مرغوب فيهم مصريًّا).

علَّق المتحدث باسم وزارة الخارجية الصهيونية على القافلة فقال: إنه لا يوجد حصار على غزة، وأن البضائع والمساعدات جميعها تدخل إلى غزة، ولا يوجد ما يستدعي هذا العمل الدعائي الذي لن تسمح به دولته, سمعنا أن معبر رفح تمَّ فتحه لعبور قافلتين من الإمارات العربية تحمل عديدًا من شاحنات المساعدات!!!.

وهنا فقط أُذكِّر بخطورة أن يتم فتح وإغلاق المعبر بما يخدم المصالح الصهيونية؛ حيث يُغلق حينما يكون مطلوبًا صهيونيًّا الضغط على أهل غزة- كما حدث أثناء الحرب عليها!-، ويفتح حين يكون مطلوب تبييض وجه الكيان الصهيوني أمام الرأي العام العالمي، ورفع الحرج عنه, على كل حال فقد قرر المشاركون أن الهدف هذه المرة ليس مجرد توصيل المساعدات ولكن كسر الحصار, بمعنى أن من واجبنا أن نتساءل بكل قوة:

إلى متى تعيش غزة وحدها- دون باقي مدن العالم كله- في عزلة وانقطاع وسجن كبير؛ حيث لا مطار جوي ولا ميناء بحري، ولا منافذ برية طبيعية يتواصلون من خلالها مع باقي البشر؟!

لماذا أهل غزة- دون غيرهم من البشر- لا يحصلون على ضرورات حياتهم من طعام وشراب ودواء- فضلاً عن الكماليات التي هي أيضًا من حقهم كبشر- إلا تهريبًا من خلال الأنفاق وبأغلى الأسعار؟!

لماذا مرضى غزة يُمنعون من العلاج المناسب فيموتون؟!، ولماذا طلاب غزة- دون غيرهم- يمنعون من الخروج لتحصيل العلم؟، ولماذا حجاج غزة- دون غيرهم- يُمنعون من أداء الفريضة أو مناسك العمرة؟

ولماذا أهل غزة- دون غيرهم من البشر- يُمنعون من التواصل مع أهليهم وذويهم خارج غزة إلا لفترات محدودة ولأشخاص محدودين وبتصاريح من عدوهم؟

ولماذا بيوت ومدارس ومساجد غزة- دون غيرها- إذا تعرضت للتدمير لا يملك أهلها إعمارها؟! ولماذا بنوك غزة دون غيرها من مدن العالم لا تستقبل التحويلات البنكية؟

ولماذا أهل غزة- دون غيرهم من الشعوب- يُعاقبون على اختيارهم لحكومتهم المنتخبة من خلال أنزه انتخابات عاشتها المنطقة العربية؟!

أما آن لكل هذه الجرائم ضد الإنسانية أن تتوقف؟!

لقد استمرت جريمة الحصار بكل ما ترتب عليها من جرائم في تزايد مستمر عبر السنين (بالمناسبة تمَّ هدم وتدمير مطار غزة الدولي الذي كان يستوعب 700000 مواطن فلسطيني سنويًّا في ديسمبر 2001م), واستمر الحصار بشكل كامل منذ 2007م, وحرِص الكيان الصهيوني على تطبيع الحصار وتعويد العالم كله عليه, وشاركت حكومات وأنظمة في الحصار، وصمتت الشعوب (التي لم تملك من أمرها شيئًا)؛ لحين وقع العدوان الصهيوني البربري على المحاصرين في ديسمبر 2008م, فقام أحرار العالم ليعلنوا أن الصمت لم يعد ممكنًا, وأنه إذا قبلت الحكومات والأنظمة بذلك- رضًا أو عجزًا- فإن الشعوب تستطيع أن تصنع شيئًا, ومن ثم تجيء هذه الحملة لتكسر الحصار بنفسها- بالدخول بحرًا إلى غزة ولتفتح الطريق- مرة بعد المرة- أمام الملاحة البحرية من وإلى غزة, ولتهدي هذه السفن لأهل غزة لاستخدامها في التواصل مع العالم من حولهم.

طرح الإعلاميون المرافقون للقافلة علينا السؤال مرارًا: ما السيناريوهات المتوقعة أمامكم؟, كما استمعنا في الأيام الثلاثة الأخيرة لتهديدات الصهاينة وتحذيراتهم "ليس فقط بأنهم لن يسمحوا بمرور القافلة وبوصولها إلى غزة, ولكن بلغنا قرار مجلس الوزراء الصهيوني المصغر الذي عهد للجيش بمهمة التصدي والمواجهة للقافلة لتتحول من مهمة سياسية إلى مهمة عسكرية), ثم زفت إلينا وسائل الإعلام الخبر أن الجيش الصهيوني قد أعد عديدًا من الخيام والمعسكرات في أسدود بغرض اعتقال كل من على السفن, تدارسنا الخبر واستقر الرأي بالإجماع على المسير قدمًا إلى غزة رأسًا, وعدم التجاوب مع أي عروض بديلة وعدم الالتفات للتهديدات والتحذيرات.

وأعلن القائد العظيم بولنت يلدرن (رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية التركية) مرة تلو المرة أنه ليس أمامنا من خيارات سوى الدخول إلى غزة بحرًا (لتحقيق كسر الحصار عن الشعب المحاصر) مهما لاقينا من صعوبات, فإن منعنا فسنصر على مسيرنا فإن اعتدى علينا (ولو بالقتل أو الأسر) فلسنا أغلى من مليون ونصف مليون يتعرضون للقتل والأسر والجوع والحصار, ولن يعدو ما يحدث لنا أن يكون جريمة جديدة تُضاف لسلسلة جرائم الكيان الصهيوني (التي تسلسلت من دير ياسين وكفر قاسم إلى قانا وجنين وخان يونس، وما سجله تقرير جولدستون عنا ببعيد)؛ لكن الجريمة هذه المرة ستكون ضد ممثلين لأكثر من 40 دولة، ولعلها- هذه المرة- توقظ ضمير الإنسانية، فيتحرك ضد هذه الجرائم ويرفض الصمت ويقف معنا يعلن أن الصمت لم يعد ممكنًا.

هذه هي رسالتنا التي نريد بثَّها.. إما أن تنجح مهمتنا لكسر الحصار ومن ثَّم تتواصل المهمة؛ لحين إنهائه, وحينذاك نستطيع كشعوب أن نتقدم لمواجهة باقي جرائم الصهيونية (التي أساءت للبشرية ووصمت جبينها بالعار), سواء تلك التي تقع على الشعب الفلسطيني في غزة المحاصرة, أو تلك التي تقع عليه في الضفة من (طرد وسحب هويات وإغلاق وحواجز عسكرية ومصادرة أراضٍ ومطاردات وملاحقات واعتقالات)، أو في القدس من (حفريات وتهديد مقدسات وتهويد أحياء وهدم بيوت وبناء مستوطنات)، أو حتى في الشتات من منع حق في العودة للديار بالمخالفة لكل شرائع وقوانين الأرض والسماء.. أو أن نوقظ ضمير العالم بما يرتكبه الكيان الصهيوني ضد مشاركين في عمل إنساني وصولاً لانتفاضة إنسانية عالمية شعبية ضد كل جرائم الاحتلال بل ضد الاحتلال ذاته.

نقدِّر أننا أمام عدو من ورائه معسكر يمتلك من العدة والعتاد والأموال ما ليس لنا به قبل بحسابات المادة؛ لكني أنقل إليكم مشاعر وروح التحدي والإصرار والعزيمة التي تملأ قلوب وتعلو وجوه كل المشاركين في القافلة (حتى من غير المسلمين).

ترى ماذا ستسفر عنه الساعات المقبلة... أتصور أننا أمام لحظة فارقة في تاريخ الأمة بل في تاريخ البشرية حين يتحرك ممثلون لكل الأجناس والأعراق والأديان في إصرار على الدفاع عن قيم الحق والعدل والحرية، وفي محاولة لتحسين وجه الإنسانية الذي تلطَّخ طويلاً.

أتقف الشعوب موقف المتفرج أم تناصر هذا التحرك وتعضده وتقف في وجه خصومه بكل قوة حتى ينتصر؟!!

----------------

* د. محمد البلتاجي- الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.

الجمعة، 28 مايو، 2010

معا لرفع الحصار عن غزة




انا مع قافلة الحرية لكسر الحصار عن غزة

الأحد، 16 مايو، 2010

أما آن لهذا الفارس الأسير أن يتحرر؟

ما زلت أذكر المرة الأولي التي كتبت فيها لاستنكار هذا الاعتقال الغاشم الذي استهدف كوكبة بارزة من خيرة أبناء هذا الوطن.. يومها لم أكن لأظن أبدًا أن أعوامًا طويلة ستمضي وتمر وما زلنا نعيش هذا الكابوس الأليم وما زال أبي وإخوانه قابعين خلف أسوار هذا الظلم الشديد.. ولله الأمر من قبل ومن بعد نحمده علي كل حال.. نحمده أن جعلنا من فريق المظلومين المضحين لا من فريق الظالمين المعتدين، فالدنيا زائلة وفانية ومحكمة الآخرة التي لن يفلت منها أحد لا محال آتية.

مرت قرابة أربعة أعوام وها أنا أكتب من جديد وقد امتزجت بداخلي المشاعر.. مشاعر الفخر بهذا الرجل الذي أنتسب إليه وأحمل اسمه وسام شرف علي صدري.. هذا الرجل الذي يقدم كل يوم بصبره وتضحيته ونضاله دليلاً عمليًا دامغًا علي حقيقة إيمانه بالغاية التي عاش من أجلها وهي بناء مشروع حضاري لنهضة أمته.. وبرهانًا ساطعًا علي مصداقيته في المبادئ التي آمن بها ودعا لها.. هذه المبادئ التي يدفع من أجلها اليوم ثمنًا غاليًا.. وضريبة باهظة ثم لا تراه بعد ذلك إلا صابرًا محتسبًا داعيًا ومحفزًا لنا ولكل من حوله علي الاستمرار في العمل من أجل نهضة هذا الوطن ورفعة شأنه ورفع رايته.

في الوقت ذاته تتملكني مشاعر الألم والحزن الدفين ونحن نمر هذا الشهر بذكري هذه الجريمة الشنيعة التي سجلت بأسطر من الظلم وحروف من الاستبداد صفحات دامية من الألم والمعاناة والحرمان.. بل سجلت وبحق وصمة عار علي جبين هذا الوطن.. هذا الوطن الذي يكيل بأبنائه الشرفاء الذين قدموا له الغالي والنفيس والذين حمل تاريخ كل منهم سجلاً حافلاً بالإنجازات والإسهامات في سبيل بنائه ونهضته.. وبدلاً من أن يدفع بهم إلي منصات التكريم كما هو الحال في أغلب البلدان المتقدمة يزج بهم في زنازين حقيرة.. ويلقي بهم في غياهب السجون.. لا لذنب جنوه أو لجرم فعلوه.. بينما المجرمون ينعمون ولا يحاسبون بعدما القانون غاب.. وحكمنا منطق الغاب.

إنه ليعتصرني وأسرتي هذه الأيام ألم أعمق وحزن أشد لأننا هذه الأيام لا نعيش ذكري هذه الأحكام الجائرة فحسب ولا مناسبة مرور قرابة أربعة أعوام علي هذا الاعتقال الغاشم، إنما أيضًا مرور عشرة أعوام كاملة علي حبس والدي «م. خيرت الشاطر» بل إن العام الحادي عشر قد أوشك علي التمام.. عشر سنوات ويا لها من كلمة.. واحسرتاه فيما فعل الظالمون بنا.. إن كلماتي لتعجز عن الوصف وإن لساني ليعجز عن التعبير.. كيف أصف مشاهد حزن تزاحمت ومشاعر ألم تأججت.. وحال قلوب لجأت لله واشتكت.. كيف أحكي عن أيام طويلة رفعت فيها الأيدي أكفها .. واحتسبت عند الله جل همها...وذرفت بليل حر دمعها.. والله إن الكلمات لتعجز عن وصفها.. حقًا لقد جاوز الظالمون المدي.. حتي احترت ماذا أكتب.. فهل أكتب عن الزوجة التي توالت عليها الصدمات وتكررت عليها الأزمات فعانت طويلاً وتحملت كثيرًا وقد حرمت زوجها وسندها.. أم عن الأم التي قهرت وحرمت ابنها وفلذة كبدها.

هل أحكي كيف عاني الأبناء.. أم كيف فارق الآباء.. كيف تزوجت بدونه البنات؟.. أم كيف ولد بعيدًا عنه الأحفاد.. لقد رزق الله أبي - أيها السادة - ثماني من البنات ليس منهن واحدة إلا وكانت خطبتها أو زواجها أو عقد قرانها بدون والدها أو جميع هذه المناسبات مجتمعة وقد حرمهن الظالمون أن يكن معًا ورزق بــ ستة عشر حفيدا وحفيدة لم يحضر سوي إنجاب اثنين منهم حتي إن معظم هؤلاء الأحفاد لم يرونه ولو مرة واحدة داخل جدران المنزل وليس الزواج والإنجاب فحسب بل كبر الأبناء وقد حرم من أن يكون معهم في أغلب المحطات المهمة في حياتهم من امتحانات لنتيجة دخول الجامعات.. لحفلات التخرج.. مرت الأيام وهو بعيد حتي صار الطفل شابًا وصار الشاب شيخًا.

أم هل أحكي عن آباء صارعوا المرض طويلاً ورفعوا أيديهم كثيرًا آملين في البقاء.. رغبة في اللقاء ثم آثروا الرحيل ليشتكوا ظلم العباد لرب العباد وليكون لقاء أبي بهم وهم في الأكفان.. هل أحكي عن الأمان الذي فقدناه أم عن الفرح الذي حرمناه.. عشر من رمضان أو يزيدون..عشرون عيدا يشهدون.

هل أحكي وما أقسي أن أحكي عن هذا القلب الذي اتسع دومًا ليحمل هموم هذه الأمة جنبًا إلي همومنا.. هذا القلب الذي انشغل دومًا بأن يسري عن الآخرين ويستوعبهم حتي عندما يكون في أحوج الأوقات التي يحتاج فيها من يسري عنه.. هذا القلب الذي اعتاد أن يحمل هموم الآخرين قبل همه.. ما أقسي أن يخبرنا الطبيب أن هذا القلب يتألم وقد ضعفت عضلته وقلت كفاءته.. ما أقسي أن نجد والدي وهو يعاني أمراضًا عديدة يجلس بعيدًا عنا في زنزانة بعيدة ونحن مكتوفي الأيدي ولا نملك أن نقدم له شيئًا.

أم هل أحكي عن أحداث تكررت وكروب توالت، هل أحكي عن الاعتقال الرابع أم الأول أم الثاني.. عن الهجوم البربري وكيف بتنا نفقد الأمان في كل الليالي.. هل أحدثكم عن المحكمة العسكرية الأولي وصدمتها.. أم المحكمة الثانية وفداحة مصيبتها .. هل أحكي عن الجلسات السرية أم عن المهازل المسرحية.

هل أحكي عن الإفراجات الأربعة وكيف سرقوها أم عن فرحتنا وكيف اغتالوها.. وكيف تحول الإفراج من محكمة مدنية للإحالة لمحكمة عسكرية.

لا والله لن أحكي عن هذا أو ذاك فإن معاناة أبي ومعاناتنا لفقده أكثر من عشر سنوات كاملة لحمل تنوء لحمله الكلمات ولا تتسع له الصفحات.. تعجز عن نقله السطور وتضيق في وصفه المقالات.. لله وحده نشكو همنا فهو المطلع علي حالنا نفوض له أمرنا ونشكو له ضعفنا ونحتسب عنده ألمنا كما نحتسب عنده هذه الأعوام الطويلة بل أيامها بكل لحظاتها وثوانيها.

إنما أردت بكلماتي أن أوجه سؤالاً لمن ظلم أبي وظلمنا سؤالاً واحدًا يشبه سؤالاً سألته أسماء بنت أبي بكر من قبل.. أما آن لهذا الفارس الأسير أن يتحرر؟ أما آن لهذا الكابوس أن ينتهي؟ أما آن لهذه الخصومة الفاجرة وهذا الظلم المتعنت أن يتوقف؟ هذه الخصومة الفاجرة اتجاه شخص والدي «م.خيرت الشاطر» والتي تمثل دليلاً ساطعًا علي مدي استبداد هذا النظام وظلمه ومدي تنكيله بالشرفاء من هذا الوطن نري هذه الخصومة الفاجرة وهذا التعنت في الظلم ونحن نري أن «م.خيرت الشاطر» هو أكثر سجين رأي تم حبسه من حيث طول إجمالي المدد التي حبس فيها في ظل هذا النظام فلقد أوشك علي إتمام عامه الحادي عشر وهو الذي لم يرتكب جرمًا أو عنفًا ولم يسجن ولم يخطف من بيننا إلا من أجل فكره وآرائه التي شهد الجميع بوسطيتها واعتدالها.

ونري هذه الخصومة الفاجرة أيضًا عندما نري أنه أكثر سجناء الرأي حصولاً علي أعلي الأحكام في ظل هذا النظام.. وبالطبع كما تعلمون من محكمة عسكرية.. حيث لم تتم إدانته ولا مرة أمام القضاء المدني، حيث إن أبي حصل علي أعلي حكم في قضية 95 بحصوله علي 5 سنوات وأعلي حكم في القضية الأخيرة بحصوله علي 6 سنوات.. ليحصل علي مجموع أحكام 12 عامًا.

هذه الخصومة الفاجرة تظهر أيضًا جلية عندما يكون أول سجين رأي في مصر تصادر أمواله ويحفظ علي شركاته وهذا لم يكن وحسب في هذه القضية بل أولاً في قضية سلسبيل عام 1992 وهو الذي لم يدفع يومًا رشوة ولم يسرق يومًا من المال العام بل وهو الذي شهد له الجميع بالعقلية الاقتصادية ولمشاريعه بالأغراض النفعية وليس فقط الربحية.. فهو الذي سعي لتصنيع البرمجيات وفتح الشركات وجلب لوطنه العديد من الاستثمارات.. لتكون مكافأته ورد الجميل له الاعتقال والمحاكمات.

وتتجلي هذه الخصومة الفاجرة في أبشع صورها في تسييس القضاء.. وقد بدأ هذا مع أبي عندما أحيل عام 95 لمحكمة عسكرية والكل يعلم ما تعنيه هذه المحكمة، فطعن أمام المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية إحالة رئيس الجمهورية في المدينة للمحاكم العسكرية وترك الطعن في الإدراج ولم يبت فيه فتحمل جراء ذلك أن يسجن 5 سنوات كاملة ثم ازدادت المأساة بإحالته مرة أخري علي نفس التهمة لمحكمة عسكرية ثانية عام 2006 والأمرَّ أن ذلك كان بعد عدم تنفيذ الدولة لأحكام القضاء المدني التي صدرت ببراءته بل وطالب بالإفراج الفوري عنه.. وعندما أحيل للمرة الثانية تقدم بطعن ثان إلي جهة أخري ربما ينجح في رفع هذا الظلم الفادح وهي المحكمة الإدارية بمجلس الدولة فقضت بالحكم التاريخي بعدم أحقية رئيس الجمهورية بإحالته ومن معه كمدنيين لمحكمة عسكرية وكالعادة المؤلمة لم تحترم أحكام القضاء ولم تنفذ وتم إحالة الحكم للإدارية العليا رغم أن القانون يوجب الإفراج عنه وعدم الانتظار وكانت الكارثة بأن قررت الإدارية العليا وقف النظر في الطعن وتعليق القضية لحين فصل المحكمة الدستورية في الطعن المرفوع والموضوع بالأدراج منذ عام 1995م، مما يعني أن يقضي 7 سنوات أخري دون أي تحرك للدستورية في فصل القضية وصرخت الأصوات المظلومة وبحت أصوات المحامين لماذا يؤجل تنفيذ قرار الإدارية لحين انتظار الدستورية ولا يتم وقف وتأجيل حكم المحكمة العسكرية لحين بت الدستورية فماذا لو حكمت المحكمة الدستورية بعد 12 عاماً قضاها ظلمًا بالحكم الطبيعي والقانوني ألا يحال المدنيون للمحكمة العسكرية، في الوقت الذي يحال فيه الجواسيس للمحاكمة المدنية.

وهل هناك فجر في الخصومة أكثر من أن يُسجن كل هذه الأعوام دون أن يقدم دليل واحد علي إدانته، لقد تحدي أبي في قاع المحكمة العسكرية شاهد أمن الدولة أمام القاضي العسكري وطلب منه أن يقدم ولو دليلاً واحدًا ضده فرد القاضي هادئًا بعد أن عجز الشاهد عن الرد في موقف تعجز الكلمات عن وصفه «لا يوجد دليل ضدك يا بشمهندس» ومازال أبي يتحدي أن يقدم أحد دليلاً واحدًا يثبت إدانته في أي تهمة.. فالأمر كله لا يقوم إلا علي تحريات واهية وتهم هزلية لا يثبت لها أي دليل.

إن هذه الخصومة الفاجرة وهذا الظلم المتعنت يدفعني للتساؤل لماذا خيرت الشاطر؟ ماذا فعل ليستحق هذا العداء وماذا جني ليستحق هذه الخصومة الفاجرة وقد وصفه الجميع بالشخصية التوافقية وهو الذي لم يستفز أحدًا ولم يعادي أحدًا ولم يترشح أو يسعي لمنصب يومًا والذي سعي للتواصل والحوار دومًا.

أيها السادة.. من كان يسأل عن استقلال القضاء فلينظر لخيرت الشاطر.

من كان يسأل عن حقوق الإنسان فليسأل عن خيرت الشاطر.

من كان يسأل عن الحريات في عهد هذا النظام فلينظر لخيرت الشاطر.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أشكر كل من تعاون معنا أو وقف بجوارنا أو سعي لرفع الظلم عنا.

أما هؤلاء الذين يشاهدون هذه الجريمة في صمت فأقول لهم لا تزينوا بصمتكم عجزنا...لا تشاركوا بسلبيتكم في ظلمنا.. لا تحملوا بسكوتكم وزرنا.

ولله نفوض أمرنا وعليه دومًا اتكالنا فهو حسبنا

مقالة فاطمة الزهراء خيرت الشاطر



الأربعاء، 12 مايو، 2010

رسالة من ارض الرباط


بسم الله الرحمن الرحيم

( اثنين و ستون عاماً علي النكبة )

اثنين وستون عاماً مرت منذ نكبتنا .. وتهجيرنا من ارضنا الحبيبة ..

اثنين وستون عاما ولا زال العالم يطلق علينا اسم ( لاجئين ) ..

سألت جدي يوماً عن ايام النكبة ,, ما الذي حدث ؟؟

وكيف تركنا الأراضي والبيوت لنعيش هنا في مخيمات اللجوء ..

حدثني يا جدي أخبرني قصة نكبتنا ,,


أجابني قائلاً ..


" يا ابنتي كان لنا بيت جميل جداً علي أرض رائعة ، كأنها قطعة من الجنة من جمالها وروعتها ،

أرض كلها بركة ،


في ذلك العام سنة 1948 ) عانينا كثيراً من محاولات ارهابنا وطردنا وتهديدنا ،

من تلك العصابات الصهيونية ،
كنا نحاربهم بكل ما نملك ..


ذات يوم استيقظنا علي صوت القصف والانفجارات ، خرجنا لنري ما يجري ، سمعنا أنهم اجتاحوا القري المجاورة ..وقادمون
إلي قريتنا ، ويا لبشاعة المجازر التي سمعنا بها ورأينا ،،


الناس أصبحوا ما بين شهيد وجريح وطريد وسجين وشريد ..


ان بقينا ستردم البيوت فوق رؤسنا وفوق أهلنا ، لم نكن نملك سلاحاً .. وأجمع السكان علي ان نذهب لقرية قريبة ونعود غداً
حتي تهدأ هذه الهجمات البربرية ,,


حملت اوراقي ومفتاح بيتي وخرجنا ,, انا وجدتك واولادي محمد ومحمود وسامية ,, أخدنا نجري وقد اقترب صوت القصف ،،
الي بيت أخي .. أخي الوحيد ..ناديته لم يجب .. صرخت ثانية والضرب يشتد .. لم يجبني .. ظننت أنه سبقني فحملت اولادي وهربنا
من القذائف التي تلاحقنا ..



وهناك بحثت عن اخي ,, بحثت وبحثت حتي اعياني التعب ولقيت أحد الجيران فسألته .. قال لي أخاك خرج ثم عاد ليأتي بباقي أهله

لكن القذائف لم تمهله دمر المنزل كله علي من فيه .. البقــاء لله ..
بقينا هناك في تلك القرية القريبة بضعة أيام .. لكن قوات الاحتلال لم تمهلنا ولم نعد كما كنا نتوقع .. أو نخطط .. وهربنا إلي قرية أخري

تحت القصف والضرب ،، ومن قرية لأخري ،، كانت ايام عصيبة جداا ..نمنا بالعراء والتحفنا السماء , ربطنا علي بطوننا جوعاً ،،

من شدة العناء لم تحتمل ابنتي سامية .. مرضت وما لبثت أن ارتقت إلي العلياء ..

إلي الرحمن الرحيم ..سبحانه


وقد اسميناك علي اسمها " سامية " ..كانت قرة عيني .. أسال الله أن يجمعنا بها في القريب ..

وصلنا إلي غزة ووجدنا في اهلها ..خير السند والأهل .. كانوا غاية في الكرم ،،

وبعد سنوات عصيبة
أصبحنا نعيش في مخيمات اللجوء ،، في هذه البيوت البسيطة ..

لكني يا ابنتي لا زلت أحتفظ بمفتاح بيتي واوراق ارضي ..

سنعود لها يوماً ما ,,, إن مت أنا فأولادي وأحفادي ..سنعود بإذن الله .."


وبعد ،،



اثنين وستون عاماً .. وجدي الحبيب يحمل في صدره تلك الذكريات المــريرة ..


اثنين وستون عاماً .. مرت تحمل في طياتها كل المواجع والآلام ..


اثنين وستون عاماً ..نسجت كل لحظة مرت فيها بدماء طفل ، بدموع أم ، بأشلاء شعب ، بأنقاض بيت ،

بأنين أقصانا الحبيب


اثنين وستون عاماً مرت علينا ..ندفن موتانا بموتانا


ونمضي ..


نداوي الجرح بالكي ولا نأبه ،، نربط علي قلوبنا ولا نبالي ..


اثنين وستون عاما مرت عليهم .. فهل استطاعوا بالسيف وأ د روح المنتفض ..


اثنين وستون عاماً علي عمر الحجر ..والطفل فينا لم يزل يرسم


أسطورة البطل ..


قسماً سننتصر .. قسما سننتصر .


_ أختكم في الله _سامية سمور